اعلان جانبي متقلب
اعلان جانبي متقلب

فن المقامة

فن المقامة

كتب: محمد علي زين العابدين

فن المقامة من الفنون الأدبية النثرية التي ظهرت في العصر العباسي، وتعتمد على قصة مكتوبة بطريقة مميزة؛ حيث تحفل بالسجع والمحسنات البديعية اللفظية والمعنوية، وتختم بحكمة أو طرفة أو خدعة، وتنم المقامة عن براعة كاتبها في الصياغة والتأليف، ومن أشهر كتاب المقامات: بديع الزمان الهمزاني، ومحمد المويلحي …. وغيرهما.
مقامة بعنوان: (خير الكلام ما قل ودل) بقلم: محمد علي زين العابدين

ذهبت إلى مجلس رمضاني، يقال لصاحبه محمد الحلواني، وقد افتتح الرجل هذا المكان، ليتكلم ولا يريح اللسان، والناس تسمعه في اضطرار، فهو يشارك في كل حوار، فإن قال شخص لصديقه: “صباح الخير”، يرد بدلاً منه على الفور، وإن سأل شخص عن الساعة، يقول: “الساعة التاسعة يا جماعة”، وكأن المجلس خلا من الناس، ولا أحد ينطق إلا هذا المحتاس، فتشاءمت من هذا الإنسان، وأردت أن أخرج من المكان.
فبادرني صاحب المجلس قائلاً:، “لماذا تخرج من هنا متعجلاً؟، الندوة سوف تبدأ ويتحدث الجميع، ويشاركون في الحوار بلا تقطيع، وأتعهد أن أسمع كل متكلم، حتى يفرغ من كلامه ويُسلّم، لمن بعده راية الكلام، فهيا شاركنا يا همام، فليأخذ كل واحد مكانه ويجلس، استعدادًا لبدء الحوار في المجلس، وليلزم الجميع الإيجاز والاختصار، حتى نسمعه ونشاركه في الحوار، فنحن لسنا بحاجة للتطويل، فلا يمل جالس من الزميل، واعلموا أن خير الكلام، ما قل ودل والسلام ختام، فقد أنهيت كلامي يا أصحاب، فتهيئوا للحوار وافتحوا الباب، فمن يرد منكم الحوار، فليطلب الإذن حتى نختار، من يكون له الأولوية، والعبرة هنا بالأسبقية”.
فطلبت الإذن لكي أتكلم، فقال صاحب المجلس لي: “هل تعلم، أن مدة المشاركة دقيقة واحدة، تذكر فيها كل شاردة وواردة، وباقي الوقت نجعله للتعليق، على كلام الضيف والتدقيق، في كل كلمة قالها المتكلم، لكي ينتفع الجميع ونتعلم، فلتسمعنا رأيك في عجالة، فالناس في شوق لتلك المقالة، يريدون أن يسمعوا منك الكثير، فهيا أتحفنا بالكلام المثير، الذي يثير العقل وينبه المدارك، ويجعل الجميع في لهفة لأن يشارك، وأنا سأعطيك الآن الحق في الكلام، فقل ما تريد ولا تخشى الملام”.
فبدأت أتوجه للناس وأقول، “أصلي وأسلم على الرسول، الذي قال وقوله حق مباشر، من كان يؤمن بالله واليوم الآخر…”، فقاطعني صاحب المجلس مسرورًا، “لقد انقضت الدقيقة فاجلس مشكورًا، وأنا سأكمل الحديث للحضور، وسأدير الحوار مع الجمهور، هل كنت تقصد بالحديث إكرام الضيف؟، إن ضيوفنا مكرمون بالشتاء والصيف، وهل اشتكى الضيوف لك من الضيافة، لتتكلم عنا بهذه السخافة؟ وما دخلك أنت؟ ولماذا، تتحدث عن مجلسنا يا هذا؟، أليس الأفضل لك أن تقدم، الشكر لصاحب المجلس المكرم؟، أم جئت لتعيب فينا بلا سبب؟، أم أنك مدفوع من الشيخ رجب؟، صاحب المجلس المجاور لنا، الذي لا يزوره أحد مثلنا، فيريد أن يصم مجلسي بالعار، لكي يأخذ مني الشهرة والمقدار، ولكن هيهات أن ينجح في مسعاه، سأرده مضروبًا على قفاه، ولن يأخذ مني ضيفًا وديعًا، ولو اضطررت لحبسكم جميعًا”.
وظل يرغي ويزبد، فقلت له:”لم أقصد”، فقال:”هل قصدت بالحديث الوجيه، أن نكرم الجار ولا نؤذيه؟ لقد تسرعت في هذا الكلام، فاقبل اعتذاري وقل لي: هذا تمام، فالجار يجب علينا ألا نهينه، ولا نؤذي مشاعره أو ندينه، في أي مشكلة تقع في الشارع، بل يجب مساعدته في كل المواقع، والجار له حق علينا جليل، فالرسول كاد يورثه لوصية جبريل”، فقلت له: “لقد قصدت الثالثة، وهي المناسبة لتلك الحادثة، من كان يؤمن بالله فليقل خيرًا، أو ليصمت فيجد من الناس خيرًا”، فقال لي: “وهل أقول شرًا، إن كلامي ممتع مُسِرًّا، لكل من جلس في هذا المكان، فاسألهم إن كان أحد مني غضبان”.
وبينما نحن في هذه الحالة، والناس تستمع لتلك المقالة، دخل علينا ابن صاحب المجالس، طفل صغير في عامه السادس، وقال لأبيه: “أريدك يا والدي…”، فقال له: “أهلاً ولدي فلذة كبدي، نورت المجلس يا صغير، فتعال وخذ بعض الفطير، فكل منه كما تريد واملأ جيبيك، ولا تنس بعد الأكل أن تغسل يديك، وانظر إلى هؤلاء الرجال، ستصير مثلهم يا زينة العيال، أكنت تريد شيئًا يا صغيري؟، وهل عندك من شيء خطير؟”، فقال الولد: “أمي…” قال :”ما لها؟، لقد تركتها في البيت مع أهلها، تجلس مع أمها وأبيها، وتفرح بوجود أختها وأخيها، وهي سعيدة معي في حياتها، ولا تشكو من أي شيء يفوتها، فهي والله نِعْمَ الحريم، وبدونها نعيش في جحيم”.
فقال الولد: “أمي تصرخ يا أبي…”، فرد الوالد في غضبِ، “ولماذا تصرخ؟ وماذا جرى لها؟، أينقصها شيء؟ والله عجبت لها!، إن النساء لا يملأ عيونهن، إلا التراب ولو بدا عليهن، الزهد والورع والتقوى، فكلهن سواء بنات حوا، هل تصرخ من الجوع أو الحاجة؟، وعندها الطعام يملأ الفريزر والثلاجة، أم تصرخ من قلة ملابسها، وعندها الخزانة لا تغلق ترابسها، أم تصرخ من كثرة الأعمال؟، وعندها في البيت خمسة عمال، يقومون بخدمتها وخدمة عيالها، ولا يعصون لها أمرًا ويطيعونها، فلماذا تصرخ أمك يا لعين؟، لقد قهرتني بوجهك الحزين”.
فقال الولد: “يا أبي اسمعني حتى أنهي كلامي، النار حرقت الفراش وأمي أمامي، فجئت أطلب معونتك على عجل، فرحت تتكلم بلا مهل، وأظن النار أكلت أمي وأهلها جماعة، فأنت تتكلم من حوالي ساعة، ولم تعطني فرصة لأقول ما صار، ولو تركتني لأنقذناهم من النار”، فقال الأب وهو في ندم شديد:، “الآن عرفت خطئي يا بنيّ ولن أعود، لمثل تلك الحماقات، ولن أتكلم إلا بعد طول سكات”.

مقالات ذات صله

Powered by www.fagrelhoreya.com