اعلان جانبي متقلب
اعلان جانبي متقلب

مناظرة بين نحوي وفقيه (في مجلس هارون الرشيد)

مناظرة بين نحوي وفقيه (في مجلس هارون الرشيد)

كتب: محمد علي زين العابدين

كان الكسائي عالم النحو الكبير جالسًا عند الخليفة العباسي هارون الرشيد، فدخل عليهما الإمام أبو يوسف عالم الفقه الشهير وتلميذ العالم الأجل “أبي جنيفة النعمان” – رحمه الله – فقال أبو يوسف للخليفة مازحًا: “لماذا تجلس مع هذا الرجل –يقصد الكسائي- وهو لا يفقه إلا في النحو فقط؟”
فقال الكسائي: “أنا أفهم بالنحو علم الفقه، ولكنك لا تفهم بالفقه علم النحو.
فقال لهما الخليفة ” تناظرا، كل منكما يسأل صاحبه سؤالًاٍ، ومن يفز منكما سأعطيه جائزة.
فبدأ أبو يوسف وسأل الكسائي قائلاً: “إذا نسي رجل في الصلاة فإنه يسجد سجدتي السهو، فإذا نسي مرة أخرى في السهو؛ فهل يسجد سجود سهو مرة أخرى؟
فقال الكسائي: “لا يسجد مرة أخرى”.
قال هارون الرشيد: كلامك صحيح، ولكن كيف عرفتها؟
فقال الكسائي: “لقد قمت بقياسها على قاعدة نحوية تقول إن الاسم الذي يصغر مرة لا يجوز تصغيره مرة أخرى، وسجود السهو تصغير من الصلاة، لذلك لا سجود سهو من سجود السهو.
فقال الرشيد للكسائي: “اسأل سؤالك، فقد جاء دورك”.
قال الكسائي لأبي يوسف: “رجل قال لزوجته أنت طالق أن خرجت من الدار، فهل وقع الطلاق أم لم يقع بعد؟”
قال أبو يوسف: “إذا خرجت يقع الطلاق، وإذا لم تخرج لا يقع.
قال الكسائي: “الطلاق وقع لأن الخروج حصل، فهو قال أنت طالق أن خرجت، أي: بسبب خروجك، ولم يقصد الشرط بإن”
فقال أبو يوسف: “لم ألاحظ الفرق بين (إن وأن) وأنت لم يكن نطقك واضحًا، فأعطني سؤالاً آخر”.
قال الكسائي: “لك ذلك، لكنه آخر سؤال”.
والسؤال هو: “جاءك رجلان؛ فقال أحدهما (أنا قاتلُ غلامِك) وقال الآخر(أنا قاتلٌ غلامَك) فمن منهما يستحق الحساب؟
قال أبو يوسف: “الاثنان يجب عقابهما”.
قال الكسائي: “إجابة خاطئة، الأول فقط هو الذي يستحق العقاب، فهو الذي قتل، أما الثاني فقال إنه سيقتله”.
قال هارون الرشيد: “وكيف نفرق بينهما؟”
قال الكسائي: العبرة بعمل اسم الفاعل (قاتل) فاسم الفاعل يعمل في ما يدل على الحال أو الاستقبال فيكون منونًا وينصب ما بعده، لكنه يضاف إلى مفعوله إذا دل على الماضي، فإذا جاء ما بعد اسم الفاعل منصوبًا فهذا يدل على المستقبل، (فمن قال سأقتل فلا عقاب عليه)، أما إن جاء ما بعد اسم الفاعل مجرورًا فهذا يدل على الماضي، (ومن قتل يجب عقابه) هذا هو الفرق يا مولاي الخليفة”.
فأعجب الخليفة بفصاحته وعلمه وفهمه للغة، بالإضافة إلى فهمه لعلم الفقه من خلال فهمه لقواعد النحو، وأعطاه المكافأة التي وعده إياها، وصار له مكانة كبيرة عنده، وقد صار أبو يوسف بعدها يستشير الكسائي في بعض المسائل الفقهية التي تحتاج إلى تفسير نحوي.

مقالات ذات صله

Powered by www.fagrelhoreya.com