سينوحى إبن الجميزة

سينوحى إبن الجميزة

كتبه / هشام نادى شعبان
مِن الحُب ما قتل, عبارة واقعية بكل المقاييس, فالغيرة الزائدة النابعة مِن الحُب قد تقتل الحُب, وربما تقتل الحبيب أيضاً, الخوف الغير مبرر مِن الحبيب على حبيبه أحياناً يقتل الحب والحبيب, ولعل أشهر الأمثلة على هذا النوع هى القصة الشهيرة التى تحمل عنوان “الدبة التى قتلت صاحبها”, فتحكى تلك القصة أن أحد الأشخاص كانت ترافقه فى الغابة دبة (مؤنث دب), يُلاعبها وتلاعبه, ويقضى الوقت معها, وفى أحد الأيام وقفت ذبابة على جبين ذلك الشخص أثناء نومه, وإنطلاقاً مِن حُب الدبة لصاحبها, وخوفها عليه مِن أن توقظه تلك الذبابة مِن نومه, فقررت أن تنتقم منها وتقضى عليها, وبالفعل جاءت بصخرة كبيرة ورمتها على الذبابة, ولكن لسوء الحظ فقد طارت الذبابة قبل أن تصيبها الصخرة, وبالتالى لم تَمُت الذبابة, ولكن الذى مات هو صاحبها النائم, فقد قتلته الدبة بالخطأ, فقط لأنها أحبته وخافت عليه مِن أن توقظه الذبابة, هذا نمط مِن أنماط الحُب القاتل, وهنالك نمط آخر يتمثل فى إساءة الظن وفقد الثقة, فربما يتخلى الحبيب عن حبيبه فقط لأنه ظن أن وجوده بجواره سوف يسبب له مشكلة ولن يستطيع حلها, ولكن العكس هو الصحيح, فربما لو كان فكر بهدوء وعمق لكان وصل للتصور الصحيح المبنى على حُسن النية, وحينها كان سيختبر ثقته بنفسه, وكان سيعرف أنه مؤهل للوقوف مع حبيبه, ولكن لأنه لم يفعل فقد قتل حبه, وذاق مرارة الفراق, ونفى نفسه بعيداً عن حبيبه, ونموذج للنمط الأخير قصة صديقنا سينوحى الذى أحب مصر وأخلص للملك, ولكن مِن شدة حبه أصابه الإرتباك وإختل تفكيره, وبالتالى إعتل قراره بعلة سوء الظن وفقد الثقة بالنفس, فقرر الهروب بدلاً مِن المواجهة, ونفى نفسه بعيداً, وذاق مرارة فراق حبيبته مصر, إلى أن تحسنت الأحوال فى آخر حياته, وعاد وإلتقى بها بعد غياب دام ثلاثون عام.

– مَن هو سينوحى؟
سينوحى أو سنوهى أو سانهت ومعناه إبن الجميزة, هو أحد رجال الدولة فى عصر المملكة الوسطى أى مِن حوالى 4000 عام, عاصر حكمى الملك أمنمحات الأول, وإبنه الملك سنوسرت الأول, وهما معاً مِن ملوك الأسرة الثانية عشرة, يُقال أن سينوحى كانت تربطه صلة قرابة بالملكة نفرو زوجة الملك سنوسرت الأول, وكان يعتبر مِن أخلص رجال البلاط الملكى, وممن يوثق فيهم.

– لماذا سينوحى وقصته؟
سينوحى هو مثال واضح للوطنية الشديدة ولكن مع الإرتباك, وتمثلت وطنيته فى إخلاصه فى العمل قبل الهروب, وفى خوفه مِن أن يتسبب فى فتنة تضر الوطن والأمير وإخوته, وتمثيله لمصر والمصريين خارج حدود الوطن حينما أبرز وجه التحضر والقوة والشجاعة فى الغربة, بالإضافة إلى حنينه للوطن الذى لم يفارق عقله ولا خياله طيلة الـ30 عاماً التى قضاها فى بلاد الأغراب, بإختصار كان سينوحى سفيراً مثالياً لمصر فى الخارج, أما بالنسبة للقصة فهى تعتبر حتى الأن أقدم قصة أدبية مصرية, بالإضافة إلى أنها مأخوذة عن أحداث واقعية حدثت فى مكان وزمان وأشخاص معلومين, ولها بداية ونهاية وفيها الشجن والفرح والحزن والإرتباك وكافة المشاعر المختلفة, الأمر الذى جعل ريديارد كيلنج يبعث بشهادته إلى السير ألن جاردنر فى رسالة ويقول له أن قصة سينوحى تعتبر بمثابة قصة من الادب العالمى.

– عن القصة :
أولاً الأشخاص : سينوحى / الملك أمنمحات الأول وإبنه الملك سنوسرت الأول / الأمير عامو ننشى / المُقاتل / بعض الشخصيات الثانوية.
ثانياً المكان : داخل مصر ( العاصمة – الحدود المصرية الليبية – الطريق مِن الدلتا إلى سيناء ثم إلى خارج البلاد ) / بلاد ريتنو والتى تضم فلسطين وسورية وجزء مِن لبنان.
ثالثاً الزمان : وقعت أحداث تلك القصة فى عصر الدولة الوسطى, وتحديداً أبان حكم الأسرة الثانية عشرة, أى مُنذ ما يقارب الـ4000 عام مِن الأن.
رابعاً نوع القصة : هى قصة واقعية ناتجة عن تجربة شخصية, وهى رؤاية درامية من الأدب القصصى المصرى القديم.

– أحداث القصة :
تقول القصة أن الملك أمنمحات الأول قد أمر بإرسال حملة عسكرية إلى الحدود المصرية الليبية, حيث تسكن قبائل إعتادت على السطو والإغارة المستمرة على الممتلكات المصرية من وقت لآخر, وكان على رأس تلك الحملة ولى العهد الأمير “سنوسرت”, بالإضافة إلى عدد من إخوانه الإمراء, وكان برفقتهم أحد رجال البلاط الملكى ويدعى “سينوحى”, وهو قريب الصلة بالملك وبالإمير “سنوسرت” وأيضاً بزوجة الأمير وتدعى “نفرو”, والتى ستكون الملكة فيما بعد.
وبعدما أنجزت الحملة العسكرية مهمتها فى تأديب تلك القبائل المعتدية والإنتصار عليها, جاء رسول من القصر الملكى إلى الأمير سنوسرت يبلغه بوفاة والده الملك “أمنمحات الأول”, فأمر “سنوسرت” بإخفاء نبأ الوفاة عن قادة الحملة وجنودها خشية الإرتباك, ولكن فى تلك الأثناء وصل رسول آخر إلى أحد الأمراء الآخرين, والذى كان يطمع فى العرش بدلاً من سنوسرت, وهنا سمع سينوحى بالصدفة حديث الرسول إلى الأمير الطامع فى العرش, وعلم بتدبير مؤامرة ما ضد سنوسرت, فإرتبك سينوحى إرتباكاً شديداً, الأمر الذى جعله يفقد صوابه, ويتصرف بسلبية, ويُفضل الهروب إلى خارج البلاد, حتى لا يتسبب فى فتنة على العرش الملكى, إذا أخبر سنوسرت بما يدبره له أخيه.
وبالفعل شرع فى الهروب مِن غرب البلاد إلى شرقها, حتى وصل إلى سيناء ومنها إلى بلاد “ريتنو”, حيث قابل إمير البلاد ويدعى “عامو ننشى”, وإستقبله إستقبال يليق برجل مصرى من بلاط الحكم, ومن جانبه حكى له سينوحى حكايته, وأطلعه على أسباب هروبه, كما حكى له عن مصر, وعن ملكها السابق “أمنمحات الأول”, وعن ولى العهد أيضاً, ووثق فيه “ننشى” وعامله معاملة أبناءه, بل وزوجه إبنته الكبرى, وأعطى جزءاً مِن مملكته عبارة عن قطعة أرض كبيرة ليحكمها ويعيش عليها هو وزوجته وأبناءهما لاحقاً, ويصف لنا سينوحى تلك القطعة مِن الأرض بأن خمرها أكثر مِن ماءها, وأن بها أشجار العنب والتين, وأن عسلها كثيراً وكذلك زيتها, وأن بها العديد مِن الفواكه, وكان بها الشعير والقمح, وماشية مِن كل الأنواع لا يحصيها عدد, ووصل الأمر بتلك الثقة أنها دفعت “ننشى” بأن يضع سينوحى على رأس جيش لملاقاة القبائل المعادية لتأديبها.
وبالرغم مِن أن الـ30 عام التى أمضاها سينوحى فى بلاد ” ريتنو” كانت حياة جيدة, خاصة فى المجتمعات القبلية, إلا إنه كان يحن للعودة لأرض الوطن, خاصة بعد أن تقدم به العمر, وحلت على هيئته الشيخوخة, وكان على أثر ذلك أن بدأ بإرسال خطابات عفو وإستسماح للملك “سنوسرت الأول” حتى يستطيع العودة, وكان يرسلها عبر التجار المصريين الوافدين على أرض الشام, والذى كان يجد مُتعة فى إستضافتهم دوما, حتى يستنشق عبير الوطن فى روائحهم, ويسمع صوت محبوبته مصر حينما يستمع إلى أصواتهم, وبالفعل بعد عدة مراسلات بينهما إستجاب لطلبه الملك, وسمح له بالعودة بعد أن شجعه على ذلك, وذكره بمصر وجمالها, وكذلك بشيخوخته وإحتمال وفاته ودفنه خارج البلاد, وأن ذلك سيكون سيئ بالنسبة لرجل مصرى, لأنه إذا مات ودُفن بالخارج سوف يخسر الجنازة الملكية, ولن يُحنط جسده, بل سيتم لف الجثمان فى جلد الماعز, وبالتالى لن يحظى بالخلود.
وبالفعل فرح جداً لتشجيع الملك له على العودة, وترك كل ثروته لأبناءه, كما عين أكبرهم مكانه ككبير قبيلة, ثم ذهب إلى الحدود الشرقية لمصر, فوجد حرس الحدود ومعهم سفينة لإستقباله, ومعهم أيضاً الهدايا التى أرسلها ملك مصر إلى أمير ريتنو, كنوع مِن رد الجميل, لأنه أكرم سينوحى أحد رجال مصر المخلصين, ثم ركب سينوحى السفينة وعاد إلى أرض الوطن, وإلتقى بالملك والملكة وبأبناءهما, ولكن الملكة والأبناء لم يصدقوا بسهولة أن هذا الرجل هو سينوحى, لأن حياة القبائل قد غيرت مِن شكله, وجعلته أشبه بسكان البدو, ولكن الملك أكد لهم أنه هو, وعليه كل مِن الملكة والأبناء قاموا بإستسماح الملك بأن يعفو عن سينوحى, وبالفعل عفى عنه وأكرمه بعد أن حكى لهم قصته فى البلاد الغريبة, وعن أحوال تلك البلاد وأهلها, وعن معيشته فيها, ومِن ناحية الملك أغدق عليه بالعطايا, وأمر أحد مهندسى القصر بأن يبنى له منزلاً كبيراً, ويوفر له خدماً وحراساً, كما أعاد إليه وظيفته فى البلاط الملكى, وشكره سينوحى على كرمه, وأكمل سينوحى حياته فى مصر, وسجل لنا قصته على جدران مقبرته, كما نسخها لنا بعض التلاميذ على اوراق البردى, وعلى الفخار وألواح الخشب فى عصور لاحقة, وذلك لأهميتها الفنية والأخلاقية والوطنية, وبالفعل وصلت إلينا العديد مِن النسخ منها, وقام كثير مِن علماء المصريات بترجمتها وعلى رأسهم سير “آلن جاردنر”, وأشاد بتفاصيلها العديد مِن الكتاب والروائيين وإعتبروها أساس القصة الكلاسيكية, وإنها مماثلة للقصص العالمية المرموقة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Powered by www.fagrelhoreya.com